معلومات

08  09  2008



أفلام نزار حسن اخترقت الواقع بحثا عن الهوية والذات
إعداد:هبة فيصل زعبي

أفلام نزار حسن اخترقت الواقع بحثا عن الهوية والذات

بدأ المخرج الفلسطيني نزار حسن مشواره السينمائي عام 1990 وأنجز خلاله 14 عملا سينمائيا تناولت أغلبيتها قضايا شعبه من فلسطينيي48، قدمت أفلامه لغة ورؤيا فنية خاصة وعالجت قضية الإنسان الفلسطيني وابتعدت عن تصويره بالضحية وعكست أعماله مشاكل مجتمعه وتناقضاته مع ذاته ومحيطه بقصص واقعية ،ينسج نزار حالة حسية وانفعاليه عميقة ،صورت لقطاتها بدقة وعفوية تصادمت مع نفسها ومع واقعها، عاش مع شخصياتها حالة من العشق تاركا مجالا مفتوحا للمشاهد مشاركته التأمل في الحالة المعروضة وتحليلها، لاقت أفلامه صدى عالميا وشاركت بمهرجانات عالمية عديدة . من أفلامه المميزة فيلمه "ياسمين" الذي نال عدة جوائز وشارك بعدة مهرجانات دولية ويروي حكاية الفتاة "ياسمين" التي قتلت شقيقتها بسبب ما يدعى "شرف العائلة" ، ينبش نزار في قضيتها ويخرجها من سجنها ليوم واحد تزور قبر أختها وتعترف بمسؤوليتها عن الجريمة لتكون ضحية المجتمع ألذكوري والجلاد معا ،في فيلمه "أسطورة " يخوض في حياة عائلة فلسطينية فرقتها النكبة بأرجاء العالم وفي فيلم "استقلال" عام 1994 يتطرق للاحتفالية المفروضة على أبناء شعبه بنكبتهم يخترقها بعمق إنساني وشفافية فنية توضح التناقض الذي يعيشه أبناء شعبه من فلسطينيي 48،أنجز فيلمه "اجتياح" أبان دخول قوات الجيش الإسرائيلي لمخيم جنين 2002 وفيه يواجه نزار أحد الجنود الذين شاركوا بالاجتياح مع مشاهد الدمار التي خلفها الجيش بالمخيم،نال عنه جائزة أفضل فيلم تسجيلي بمهرجان الإسماعيلية 2003، قدم عام 2008 فيلمه"جنوب" أنجزه في جنوب لبنان وفيه يناقش موضوع الهوية من جوانب عديدة.

وهنا حوار خاص معه :

ما هي الصعوبات التي واجهتها خلال إنجاز الفيلم "جنوب" ؟ وما هي القضية التي يتطرق إليها الفيلم؟

لم أواجه أية صعوبة خلال إنجازي وتصويري للفيلم ووفقت بإتمامه ،ويبحث الفيلم مفهوم "الهوية" بجوانب متعددة من دون تفسيرها ويتم من خلال المعايشة والحياة اليومية ، ذهبت لجنوب لبنان لأفهم كيف انقطعت العلاقة الطبيعية والتاريخية والجغرافية بين الجليل(شمال فلسطين) وجبل عامل(جنوب لبنان) فقبل عام 1948 جمعتهم علاقة جوار وحياة مشتركة ساهم المتاولة (سكان الجنوب)من خلالها في الحركة الوطنية الفلسطينية وشكلوا جزءا من النسيج الثقافي ألجليلي وكانوا حينها مذهبا دينيا وثقافيا ، قيام دولة إسرائيل قطع هذه العلاقة. والفيلم يبحث كيف تبنى المتاولة من عام 1977هويتهم الطائفية وتحولوا لشيعة بالمفهوم السياسي بعد أن نظمهم موسى الصدر سياسيا ضمن حركة المحرومين حتى يستطيعوا الانخراط بالدولة والحياة اللبنانية والتي هي نتاج مشروع ماروني والتي تشترط الانتماء لطائفة أو جماعة سياسية حتى يكونوا جزءا من الهوية اللبنانية.

يبحث الفيلم بالهويات الضيقة وتناقضاتها ويحاول تحطيم المزدوجات مثل : " الأنا والآخر" كالجغرافية السياسية والطبيعية ، الخاص والعام ،السينما والحياة ، التاريخ والأسطورة، مزدوجات مكملة لبعضها البعض وتتضمن مركب ثالث مبهم وغير واضح لا يمكننا تعريفه ولكننا نشعره.مدى نطاق "مفهوم الهوية الفكرية" يؤثر على الإنتاج الإبداعي، أي أنه كلما انحسر مفهومها أكثر فإن الإنتاج الإبداعي والاجتماعي سيقل فالعلاقة بين الهوية والذاتية متوترة فإن كبرت الهوية تزول الذاتية وإن صغرت فإننا نصل إلى فاشية ونرجسية لا تحمل أي رؤية إبداعية ترتبط فكريا وأيديولوجيا بنموذج معين وتحتفل بكل حدث ويتم تناول الأمور من خلالها من مفهوم الأبيض والأسود. أرى من خلال الفيلم أن جزءا من لبنان يشترك معي بنفس الرؤيا والأحلام والطموح،رؤيا أضفت لحياتنا كعرب وكمقموعين نعيش في العالم العربي نفس الزخم حيث يمثلهم الشيعة والمقاومة بالفيلم وكل من يقف حولها ونحن كفلسطينين يمكننا أن نفهمها.

كيف يرتبط الفنان مع عمله ؟وكيف ينعكس هذا الارتباط في أعمالك؟

يجسد العمل السينمائي حالة المخرج والمؤلف وواقعهم ويمكن للجمهور أن يسئ فهمهم بسبب كون العمل يكشف الوسائل التي يتبعها العاملون بالسينما ويعرض المؤلف من خلاله نواياه وحالته الانسانية المنبثقة من خلفيات مختلفة فهو أب وعاشق ومخرج فلسطيني بمنتصف العمر وإلى ما هنالك من هويات متعددة... أنت ملزم أن تكشف لجمهورك أرائك ونواياك والحالة الإنسانية التي تعيشها لأن الإنسان والمتلقي ذكي حتى يثبت عكس ذلك ولا أستطيع أن أفرض عليه معنى واحد وأقوم بمشاركته البحث لاكتشافه وأحاول خلق لغة إبداعية سينمائية تخصني مع إشعال صراع داخل العمل ، بينما الحالة السينمائية الأخرى تؤمن أن للجمهور غريزة ويضع المخرج نفسه في مرتبة إلهية في تعريف الحقائق ويحاول إشباع غريزة المشاهد بحسب المحور والمفاهيم والمشاعر السائدة،وهو يعمل ذلك عن طريق اخفاء وسائله ونواياه.

هل أفلامك وثائقية كما تعرفها بعض وسائل الإعلام ؟وكيف تتعامل مع شخصياتك والتي تقدمها من صلب الواقع والحياة؟

تحاول سينما العالم الثالث توثيق القضية والقصة بطريقة واقعية وهذا هو الأسلوب المسيطرحاليا على السينما الفلسطينية حيث تعمل كسينما رصدية توثيقية لحالات إنسانية وواقع متناقض ،والمختلف في أفلامي بأنها تعرض قصصا حقيقية وواقعية أحاول من خلالها أن أتصادم مع الآراء المسبقة والسائدة وهي تحاول مخاطبة ذهن ومشاعر المشاهد وتطرح عليه أسئلة أشترك معه بالإجابة عنها، أؤمن بشخصيات أفلامي وهي تخاطبني وأقدمها بطريقة ارتجالية بعد أن أدرسها وأتعايش وأشعر معها ويخلق بيننا علاقة عشق وحب متبادل،فما أقدمه بأفلامي هو "سينما تحليلية" تسعى لخلق حالة من التصادم مع شخصياتها فيما بينها والتي تتصادم مع المجتمع وهي تعكس شخصيتي الحقيقية والتي أحاول أن أتصادم من خلالها مع السينما ومع نفسي ،أقدم سينما تقاوم ذاتها وتصادم ذاتها حتى تستطيع بناء شيء جديد ،أثارت أفلامي جدالات عنيفة بين الناس و صدف أن حضرت بعض هذه النقاشات الساخنة.

كيف تتعامل مع الصحافة السينمائية والنقد ؟

لا أجد بكل الصحافة العربية أي نقد سينمائي بالمستوى المطلوب والذي يرتقي بالسينما العربية وأنا مستعد أن اتحدي وأرد على أي ناقد يتناول أعمالي،هناك نقاد ينتحلون صفة النقد ومنهم يتم شراؤه بعدة طرق، وللصحافة السينمائية حسابات شخصية تريد تصفيتها المعضلة هنا أنك حين تحتاج لخلق قناة حوار مع المشاهد يكون عن طريق الصحافة لكن لا توجد لدينا أقلام صحفية بمستوى نقد سينمائي!!!

هل يمكنك أن تحدثنا عن أفلامك "أسطورة" و"ياسمين"و"اجتياح"؟

يروي فيلم "أسطورة" قصتي وحالتي والتي تجسد عالمي وما لا أراه في أوروبا أو أمريكا ،أردت أن أرويها للعالم الذي أشكل جزءا منه يوجد بالفيلم علاقة ديراكتيكية وراديكالية متداخلة وأخوض وأحاول من خلاله بناء رواية إنسانية تخصني ،كل سينمائي يحاول عرض قصة مختلفة عن الأخرى ويبحث عن سؤال لطرحه بطريقته ولا توجد قصة أهم من الأخرى ،يتعامل الفيلم مع فقدان الوطن والذات والعائلة ،فقدنا القرية واللغة والحضارة وتقريبا الهوية (من نحن؟) نريد أن نبني هويتنا ونرجعها من جديد وبنفس الوقت فإننا نحاول مواجهة الفقدان وكيفية التعامل معه وليس شرطا أن يحولنا الفقدان لضحايا ويمكنه أن يحولنا لمبدعين ومقاومين وعشاق وانهزاميين واستسلاميين وخونة، يتصادم الفيلم مع نفسه ويقول أننا كفلسطينيين لم يبق لنا عنوان.

ما أعجبني حين عرض "فيلم ياسمين" لأول مرة أن تلقيت آراء ايجابية من الناس يعبرون عن ارتياحهم وشعورهم بوجود فيلم يخاطبهم كفلسطينيين يعيشون في الوطن .قدمت "فيلم اجتياح" وأحببت أن أفهم من خلاله كيف يسيطر الشر على الإنسان وكيف يحاول الإنسان الدفاع عن نفسه وقد كان أسهل فيلم قمت بإنجازه بالرغم من الخطورة التي واجهتها عند دخول الجيش المخيم حيث سبقته في الدخول ولكن الخطورة انتهت عند مغادرته وانتهاء التصوير.

كيف يؤثر التمويل على مضامين العمل واستقلاليته ؟

أعمل باستقلالية تامة وبدون أي تدخل ولا أكترث لأية ضغوطات فحتى العام 2000 رفضت عقودا كبيرة لأن هذه الأعمال لا تتناسب مع طريقة تفكيري وأخلاقياتي، ما يهمني بشكل أساسي الجمهور الذي يخاطبه الفيلم وموقفه من الحالة التي أقدمها له فهو سيشاهد الفيلم بطريقته وسيحاسبني بعدها،أفلامي تجسد حالة وقضية أسعى لإيصالها لعدد أكبر من المشاهدين، لأتحاور مع العالم وليتم قبول ثقافتنا لكوننا بشر لديهم أفكارهم الخاصة وطريقة حياتهم والتي يعيشون خلالها حالة تخبط داخلي.

كيف تواجه الصعوبات في حياتك كمخرج فلسطيني يعيش في وطن لا نملك السيادة عليه؟

أفضل أن أتعايش مع اليهودي على أن أعيش لاجئا وبالذات في دولة عربية ،لن أهرب من بلدي أنا مستعد أن أعيش تحت الإقامة الجبرية أو السجن وباختياري توقفت عن الاستعانة بالتمويل الإسرائيلي حتى أكون جزءا من العالم العربي ولأسترجع حقي من خلاله.

هل تتضمن "السينما فلسطينية" معايير ومركبات تؤهلها لتكون "مشروع سينمائي" ؟

المشروع السينمائي هو مشروع قومي ووطني ولديه معايير ثابتة ومعروفة وتتضمن ثلاثة مركبات أساسية هي:المنتج والمخرج والجمهور، ووفقا لهذه المعايير فإنه لا توجد لدينا سينما بنسبة 99.9%، تمويل السينما الفلسطينية هو أوروبي أو إسرائيلي و نسبة 99% من جمهورها أوروبي أو أمريكي وبقي لدينا المخرج الذي يشكل جزء من الطاقم وهو الوحيد فلسطيني، وحسب هذه المعايير لا يوجد سينما فلسطينية ويوجد سينما شبيهة بحالة الشتات الفلسطيني بكل حالاته وكل السينما الفلسطينية هي تقليد للواقع وهي أفلام أشبة بأفلام تربوية من أن تكون أفلام سينمائية وحتى الروائية منها .

Hiba Zoabi